توصي المبادرة السورية للحقوق الأساسية باعتماد إطار أكثر شمولاً وحياداً للعدالة الانتقالية يكفل الاعتراف بجميع الضحايا دون تمييز، وتعزيز استقلال القضاء، وضبط صلاحيات المؤسسات المنشأة بموجبه، وضمان المشاركة الفعالة للضحايا والمجتمع المدني، ومواءمة التشريع مع المعايير الدولية بما يحقق المساءلة الفعالة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار.
1. المقدمة:
تمثل مشاريع قوانين العدالة الانتقالية لحظة مفصلية في مسارات التحول السياسي للدول الخارجة من النزاعات، إذ لا تقتصر وظيفتها على معالجة انتهاكات الماضي وضمان عدم تكرارها فحسب، بل ترسم الإطار القانوني الذي سيحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع في المرحلة القادمة. وفي هذا السياق، يُفترض بمشروع قانون العدالة الانتقالية في سوريا أن يؤسس لإطار متكامل ينظم مسارات المساءلة الحقيقية، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة الوطنية.
ورغم ما يتضمنه مشروع قانون العدالة الانتقالية من عناصر إيجابية، لاسيما من حيث تبني مقاربة تجمع بين المسارات القضائية وغير القضائية، وإنشاء مؤسسات متخصصة، والنص على مبادئ عدم الإفلات من العقاب وجبر الضرر، إلا أنه يثير في المقابل جملة من الإشكاليات القانونية والبنيوية التي قد تؤثر على اتساقه وحياده وقابليته للتطبيق.
تكتسب هذه الإشكاليات أهمية خاصة في ضوء التطورات القضائية الجارية في سوريا، ولا سيما البدء بمحاكمات تتعلق بانتهاكات جسيمة قبل إقرار قانون العدالة الانتقالية، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول اتساق التكييف القانوني ووحدة مسار المساءلة والعلاقة بين المحاكمات القائمة والإطار التشريعي المرتقب، حيث تثير المباشرة بمحاكمات تتعلق بالانتهاكات الجسيمة -كما في قضية “عاطف نجيب” أمام المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق- قبل إقرار قانون العدالة الانتقالية، إشكاليات عديدة. فعلى الرغم من أن المحكمة اعتمدت في تكييفها على اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية والقانون الدولي العرفي إلى جانب القانون السوري، بما يعكس توجهاً نحو إدماج المعايير الدولية، إلا أن ذلك يتم في غياب إطار تشريعي وطني متكامل ينظم هذا التداخل ويحدد حدوده.
ويطرح هذا الواقع مسألة عدم رجعية القوانين الجزائية، خاصة في حال صدور قانون لاحق يتضمن تعريفات أو أنماط مسؤولية أكثر اتساعاً. ورغم إقرار استثناء على هذا المبدأ بالنسبة للجرائم الدولية، كما أكدت قضية كونونوف ضد لاتفيا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، واجتهاد المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية تاديتش، وكذلك محاكمات نورمبرغ، فإن تطبيق هذا الاستثناء يظل مشروطاً بوضوح الأساس القانوني وإمكانية توقّع التجريم وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي حال صدور قانون العدالة الانتقالية بعد البدء بالمحاكمات، فقد تنشأ إشكاليات تتعلق بإعادة توصيف الأفعال أو تعارض الأحكام أو تفاوت المعايير، ما يستدعي وضع قواعد انتقالية واضحة تنظم العلاقة بين المحاكمات الجارية والإطار القانوني المرتقب، بما يضمن الاتساق القانوني وعدم المساس بمبدأ الشرعية.
وإنطلاقاً من أهمية قانون العدالة الانتقالية في هذه المرحلة من تاريخ سوريا، تسعى “المبادرة السورية للحقوق الأساسية” من خلال هذه الورقة إلى تقديم تحليل نقدي لمشروع القانون، عبر تحليل بنيته القانونية والمؤسساتية، وبيان أبرز الثغرات التي قد تعيق تحقيق أهداف العدالة الانتقالية، مع تقديم توصيات عملية تهدف إلى تعزيز اتساقه مع المعايير الدستورية والدولية، وضمان شموليته وفعاليته في تحقيق العدالة ومنع تكرار الانتهاكات.
2. الطابع الانتقائي في تعريف الانتهاكات والضحايا
يتناول مشروع القانون الانتهاكات التي شهدتها سوريا بين 16 تشرين الثاني/أكتوبر 1970 و8 كانون الأول/ديسمبر 2024، إلا أن صياغته تعكس توجهاً واضحاً نحو حصر المسؤولية بجهة واحدة، عبر التركيز المتكرر على انتهاكات “النظام البائد”، مع إشارة إلى ارتكاب “أطراف أخرى تسبّبَ بظهورها النظام في الصراع المسلح انتهاكات مماثلة”. ورغم أن هذه الإشارة تفتح نظرياً الباب أمام شمولية أوسع، إلا أنها تظل غير كافية قانونياً، إذ ينبغي أن تستند العدالة الانتقالية إلى الضحايا وحقوقهم بغض النظر عن الجهة المسؤولة عن الانتهاكات. ومن الملاحظ أن عبارة “وأطراف اخرى” قد وردت فقط في الديباجة بينما لم يتم التطرق لها في المواد القانونية للمشروع وتم الاكتفاء بعبارة “التي ارتكبها النظام البائد” دون الاشارة حتى للجرائم التي “تسبب” بها.
ويعزز هذا التوجه الطابع الانتقائي للمعالجة، بما يقوض مبدأي الحياد والاستقلالية، ويعطي انطباعاً بأن المشروع يتبنى توصيفاً سياسياً للصراع بدلاً من مقاربة قانونية قائمة على طبيعة الانتهاكات ذاتها بصرف النظر عن مرتكبيها. كما يربط المشروع بعض الانتهاكات بكون الضحايا من “الشعب الثائر”، ما قد يؤدي إلى استبعاد فئات واسعة من الضحايا الذين تعرضوا لانتهاكات جسيمة خارج هذا الإطار.
إلى جانب ذلك، لا يضع المشروع تعريفاً شاملاً ومستقلاً للانتهاكات المشمولة، بل يحيل في بعض الحالات إلى مواد محددة لا تغطي بالضرورة كامل أنماط الانتهاكات التي شهدتها البلاد، ما يفتح المجال لتفسيرات ضيقة أو انتقائية في التطبيق. ويعزز هذا الغموض من مخاطر قانونية وعملية، من أبرزها إقصاء بعض الضحايا من نطاق العدالة الانتقالية، وتقويض مبدأ المساواة أمام القانون، وإضعاف ثقة المجتمع بمسار العدالة، فضلاً عن فتح المجال أمام تسييس آليات المساءلة.
وفي السياق ذاته، يستخدم المشروع مصطلح “السيادة الوطنية” بصورة متكررة من دون تحديد دقيق لمضمونه، ما يفتح المجال لتفسيرات واسعة وغير منضبطة، ويستدعي إعادة صياغته بما يضمن قيادة وطنية للمسار من دون الإخلال بالالتزامات القانونية ذات الصلة.
3. إشكالية الاختصاص القضائي وتعدد الجهات
ينص مشروع القانون على إنشاء منظومة قضائية متخصصة تشمل دوائر قضائية للعدالة الانتقالية ونيابة عامة، إلى جانب هيئات أخرى ذات صلة بالتحقيق وفحص السجلات والمساءلة. ورغم أهمية هذا التوجه من حيث التخصص، إلا أن المشروع لا يحدد بشكل كافٍ العلاقة القانونية بين هذه الجهات وبين القضاء الوطني القائم.
فمن جهة، تُنشأ دوائر قضائية متخصصة تتبع للسلطة القضائية وتتمتع بالاستقلال، ومن جهة أخرى تُمنح النيابة العامة للعدالة الانتقالية صلاحيات واسعة غير مألوفة تشمل الإشراف على التحقيقات، ودراسة ملفات فحص السجلات، ومتابعة التسويات، والطعن في قرارات بعض الهيئات. ولا يوضح المشروع بشكل دقيق كيفية توزيع الاختصاص بين القضاء العادي والدوائر المتخصصة، ولا حدود اختصاص النيابة العامة للعدالة الانتقالية مقارنة بالنيابات القائمة، ولا الآليات المعتمدة لمعالجة حالات تنازع الاختصاص، ولا التسلسل الإجرائي في حال تعدد الجهات المختصة بالنظر في الواقعة ذاتها.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل قانوني جوهري: في حال تحريك دعوى جزائية تتعلق بالفعل ذاته أمام القضاء العادي وأمام الدوائر المتخصصة، أي جهة تكون صاحبة الاختصاص، وكيف سيتم حسم هذا التعارض؟
وتتفاقم هذه الإشكالية في ضوء ما يجري عملياً من اعتماد مسارات قضائية موازية، حيث تم ضمن إطار وزارة العدل تشكيل هيئات قضائية (قضاة تحقيق وإحالة ومحاكم جنايات) للنظر في قضايا مرتبطة بالعناصر المنسوبة للنظام السابق. ويطرح هذا الواقع تساؤلات إضافية حول العلاقة بين هذه المسارات القائمة وبين منظومة العدالة الانتقالية المقترحة، لا سيما في ظل غياب أي نص يحدد آليات التنسيق أو الفصل بينهما.
وفي ظل هذا التعدد، يُخشى من نشوء ازدواج فعلي في الاختصاص، بما يفاقم من مخاطر التداخل الإجرائي، ويزيد من احتمالات صدور قرارات أو أحكام متعارضة، فضلاً عن إطالة أمد التقاضي وإرباك الضحايا والمتقاضين بشأن الجهة المختصة، وقد يصل الأمر إلى المساس بمبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن الفعل ذاته.
كما أن اتساع صلاحيات النيابة العامة للعدالة الانتقالية، بما يتجاوز الدور الادعائي التقليدي ليشمل جوانب رقابية وتقييمية، يثير إشكاليات تتعلق بتداخل الوظائف داخل المنظومة القضائية، وما قد ينجم عن ذلك من تأثير على ضمانات الحياد المؤسسي.
4. إشكالية تعريف الجرائم (الجسيمة وغير الجسيمة)
يعتمد مشروع القانون على التمييز بين “الانتهاكات الجسيمة” وغيرها من الانتهاكات، ويُرتب على هذا التمييز آثاراً قانونية مهمة، لا سيما من حيث إمكانية اللجوء إلى آليات المصالحة أو التسويات أو التخفيف من العقوبة. إلا أن هذا التمييز يظل غير محدد بشكل كافٍ في النص.
فمن جهة، يعرّف المشروع “الانتهاكات الجسيمة” بالإحالة إلى المواد التي تجرّم أفعالاً محددة، مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، دون أن يضع معياراً واضحاً يحدد بشكل منهجي ما الذي يجعل الانتهاك “جسيماً” وما يميزه عن غيره. ومن جهة أخرى، يسمح المشروع باعتماد آليات غير قضائية في “الانتهاكات غير الجسيمة”، بما في ذلك التسويات والمصالحة المشروطة بموافقة الضحايا، دون تحديد دقيق لنطاق هذه الفئة أو وضع ضوابط واضحة للتمييز بينها وبين الانتهاكات الجسيمة.
ويمكن أن يؤدي هذا الغموض إلى إشكاليات متعددة، من أبرزها فتح المجال لتفسيرات متباينة أو انتقائية لطبيعة الانتهاكات، واحتمال إدراج أفعال خطيرة ضمن فئة الانتهاكات غير الجسيمة، فضلاً عن تعارض محتمل بين مسارات المساءلة الجنائية وآليات المصالحة، وتفاوت في المعاملة القانونية لحالات متشابهة، بما يضعف مبدأ عدم الإفلات من العقاب في الجرائم الخطيرة. كما أن غياب معايير واضحة للتمييز قد يؤدي عملياً إلى استخدام هذا التصنيف بشكل غير منضبط، بما يفتح المجال أمام اعتبارات سياسية أو ظرفية في تحديد المسار القانوني المناسب لكل حالة.
كما يثير المشروع إشكالية إضافية تتعلق بالانتهاكات التي قد لا تُدرج ضمن فئة الانتهاكات الجسيمة، ولا تُعالج فعلياً ضمن آليات المصالحة أو التسوية، دون أن يبيّن المسار القانوني المتاح للضحايا في هذه الحالات. ويؤدي ذلك إلى احتمال وجود فجوة في الحماية القانونية، قد تترك بعض الانتهاكات خارج نطاق المساءلة أو المعالجة، وتحدّ من قدرة الضحايا على الوصول إلى سبل إنصاف فعالة.
وإلى جانب إشكالية التصنيف، يبرز نقص في تعريف بعض الجرائم بشكل دقيق، من ضمنها الاختفاء القسري والجرائم ذات الطابع الجنسي، مثل الاغتصاب والاستعباد الجنسي والتعقيم القسري، حيث يفتقر المشروع إلى اعتماد تعريفات واضحة ومتسقة مع المعايير الدولية. ويؤدي ذلك إلى مخاطر تتعلق بتفاوت التفسير أو تضييق نطاق الحماية القانونية لهذه الأفعال، خاصة في ظل حساسيتها وتعقيدها.
5. تنظيم المصالحة والسلم الأهلي في إطار العدالة الانتقالية
يتضمن مشروع القانون مجموعة من الآليات لمعالجة آثار النزاع وتعزيز الاستقرار، بما في ذلك المصالحة الوطنية، والسلم الأهلي، والحوار المجتمعي، وحفظ الذاكرة. ورغم أهمية هذه الأدوات إلا أن تنظيمها في المشروع يظل عاماً وغير محدد بشكل كافٍ من حيث نطاقها وآليات عملها.
فلا يوضح المشروع بصورة دقيقة العلاقة بين هذه الآليات والمسار القضائي، ولا يحدد كيفية ضمان اتساقها مع متطلبات المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، كما لا يبيّن الإطار الوطني الذي يفترض أن تنضوي ضمنه جهود المصالحة، أو الآليات التي تكفل توحيد معاييرها ومنع التفاوت في تطبيقها بين السياقات المختلفة. ويثير ذلك تساؤلات حول مدى قدرة هذه الأدوات على الإسهام في مسار متماسك للعدالة الانتقالية، في ظل غياب تصور مؤسسي واضح ينظم تفاعلها مع بقية مكونات هذا المسار.
كما يكتفي المشروع بالإشارة إلى الحوار المجتمعي دون تحديد إطار منهجي أو مؤسسي واضح ينظم هذا الحوار، أو يضمن شموليته وتمثيله لمختلف الفئات، وهو ما يؤثر على طابعه التشاركي وعلى قدرته في معالجة الانقسامات المجتمعية بصورة مستدامة.
وفي السياق ذاته، يرد في المشروع تناول لمفاهيم تتصل بـ”السردية الحقيقية”، دون تحديد كافٍ لآليات بنائها أو الضمانات التي تكفل تعدديتها، وهو ما يثير مخاوف تتعلق بإنتاج سردية أحادية، خاصة في غياب إطار قضائي مكتمل أو توافق مجتمعي واسع. ويزداد هذا الإشكال في ظل غياب معايير واضحة تحدد العلاقة بين مخرجات هذه الآليات وبين الوقائع المثبتة قضائياً.
6. الأساس الديني للقانون وإشكالياته
ينص مشروع القانون في أسبابه الموجبة على استناده، إلى جانب الإطار الدستوري والقانوني، إلى مرجعية مستمدة من الشريعة الإسلامية، ويشير إلى مفاهيم مثل مقاصد الشريعة، والقصاص، والصلح، وجبر الضرر بوصفها مرتكزات للعدالة. ورغم أن هذه الإحالة تُقدَّم في سياق تعزيز القيم الأخلاقية للعدالة، إلا أنها تثير جملة من الإشكاليات القانونية في سياق تشريع يفترض أن يكون عاماً ومجرداً.
فمن جهة، يثير إدماج مرجعية دينية محددة في نص قانوني ينظم مسار العدالة الانتقالية تساؤلات تتعلق بمدى انسجام هذا التوجه مع مبدأ المساواة بين المواطنين، لا سيما في مجتمع متعدد الانتماءات الدينية والفكرية، حيث يفترض أن تستند القواعد القانونية إلى أساس مدني جامع. إذ يضم المجتمع السوري طيفاً واسعاً من المكونات الدينية والمذهبية والإثنية، من بينها المسلمون بمذاهبهم المختلفة، والمسيحيون بطوائفهم المتعددة، والدروز، والإيزيديون، والأرمن، وغيرهم، ما يستدعي إطاراً قانونياً يعكس هذا التنوع ويضمن المساواة بين جميع أفراده. ومن جهة أخرى، لا يوضح المشروع كيفية ترجمة هذه المرجعية إلى قواعد قانونية محددة قابلة للتطبيق، ولا يبيّن العلاقة بينها وبين المبادئ الدستورية والمعايير القانونية الأخرى، ما قد يفتح المجال لتفسيرات متباينة في التطبيق.
ويتصل بهذه المسألة أيضاً طبيعة القواعد القانونية التي يفترض أن تكون محددة وقابلة للتطور بما يستجيب للمتغيرات الاجتماعية والمؤسسية، في حين أن الإحالة إلى مرجعية دينية بصياغات عامة قد لا توفر إطاراً كافياً لمعالجة مختلف الحالات المستجدة أو ضبطها ضمن قواعد قانونية واضحة.
كما أن غياب مرجعية دينية موحدة ومتفق عليها في التطبيق العملي قد يؤدي إلى تفاوت في تفسير هذه المبادئ، وانعكاس ذلك على اختلاف الحلول والسياسات المعتمدة في معالجة الانتهاكات، بما قد يؤثر على اتساق تطبيق القانون ويحدّ من إمكانية التنبؤ بنتائجه.
وتجدر الإشارة إلى أن تضمين “الأسباب الموجبة” لعبارات ذات طابع ديني، من قبيل التأكيد على أن القصاص “مظهر للعدالة وحفظ للحياة، وهو ما أكدت عليه الشرائع السماوية كافة”، لا يبدّل من الإشكالية المطروحة، بل قد يُفهم باعتباره محاولة لإضفاء شرعية دينية على مفاهيم يفترض أن تستند أساساً إلى مبادئ المواطنة المتساوية والمعايير القانونية والحقوقية الجامعة، ولا سيما في ظل المطالبة بضمان المساواة بين جميع المواطنين/ات بغض النظر عن الدين أو المعتقد.
ويزداد هذا الإشكال مع الإشارة إلى مفاهيم ذات طابع فقهي، مثل “تطهير الذمة” أو “رد المظالم”، دون ضبط قانوني دقيق، بما قد يؤدي إلى إدخال عناصر معيارية غير محددة في مسار يفترض أن يقوم على قواعد واضحة ومنضبطة، خاصة في ما يتعلق بجبر الضرر أو المصالحة. كما أن الإشارة إلى إعادة بناء النسيج المجتمعي على أسس “أخلاقية وقانونية” تثير إشكالية إضافية، إذ قد يؤدي إدراج المعايير الأخلاقية ضمن نص قانوني إلى إدخال عناصر قابلة للتأويل، بما يؤثر على وضوح القواعد القانونية وقابليتها للتطبيق.
كما أن الجمع بين مرجعيات متعددة (دستورية، دولية، وشرعية) دون تحديد واضح لتسلسلها أو كيفية التوفيق بينها قد يخلق حالة من عدم اليقين القانوني، ويؤثر على اتساق تفسير النصوص وتطبيقها.
ويزداد هذا الإشكال حدة بالنظر إلى تعارض هذا التوجه مع بعض الأحكام الدستورية، ولا سيما المادة 10 من الإعلان الدستوري التي تنص على المساواة أمام القانون دون تمييز على أساس الدين أو العرق، فضلاً عن المادة 12 التي تقر بأن المعاهدات الدولية التي صادقت عليها سوريا تُعد جزءاً من الإطار القانوني الناظم. ويؤدي إدماج مرجعية دينية غير منضبطة في نص قانوني عام إلى الإخلال بهذه المبادئ، سواء من حيث المساواة أو من حيث الاتساق مع الالتزامات الدولية.
7. التكييف القانوني للجرائم والنطاق الزمني للعدالة الانتقالية
يعتمد القانون السوري التقليدي في تجريم الأفعال على توصيفات جزائية ذات طابع فردي، مثل القتل والسرقة وحجز الحرية والتعذيب والاغتصاب، دون أن يتناول بشكل منهجي الجرائم الدولية كما هي معرّفة في القانون الدولي، ولا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ويشكّل ذلك خللاً بنيوياً في التعامل مع أنماط الانتهاكات واسعة النطاق والمنظمة، التي تتجاوز بطبيعتها الإطار الفردي التقليدي وتستلزم مقاربة قانونية تعكس سياقها الجماعي والمنهجي.
وفي هذا السياق، يُحسب لمشروع القانون تبنيه لتوصيف هذه الجرائم استناداً إلى مفاهيم القانون الدولي، ولا سيما تلك الواردة في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إلا أن المشروع، رغم استلهامه لهذه النصوص، لا يعكسها بصورة مكتملة، إذ يغفل بعض العناصر التكوينية لهذه الجرائم، وهو ما قد يؤثر على دقة التكييف القانوني وعلى إمكانية إثباتها وملاحقة مرتكبيها وفق المعايير الدولية المعتمدة.
ويكتسب هذا النقص أهمية إضافية في ضوء عدم انضمام سوريا إلى نظام روما الأساسي، ما يحدّ من إمكانية ملاحقة بعض مرتكبي الجرائم، لا سيما أولئك الموجودين خارج الإقليم الوطني أو الذين يتعذر الوصول إليهم عبر القضاء الوطني. ويثير ذلك تساؤلات حول فعالية المنظومة الوطنية وحدودها في تحقيق مساءلة شاملة، خاصة في سياق الجرائم الدولية ذات الطابع العابر للحدود.
ومن جهة أخرى، يطرح المشروع إشكالية تتعلق بالنطاق الزمني للعدالة الانتقالية، إذ يحصرها عملياً في فترة حكم عائلة الأسد، وهو ما قد يؤثر على شمولية المسار ويعطي انطباعاً بتوجيهه نحو سياق سياسي محدد. في المقابل، تقتضي طبيعة العدالة الانتقالية اعتماد نطاق زمني أوسع يبدأ من أيلول/سبتمبر 1961 (تاريخ الانفصال بين سوريا ومصر) إلى تاريخ إقرار قانون العدالة الانتقالية ليشمل الانتهاكات المرتكبة بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بما يعكس مختلف المراحل التي شهدت اختلالات بنيوية في بنية الدولة ومؤسساتها، ويكفل معالجة الانتهاكات ضمن إطار شامل وغير انتقائي.
ويظهر هذا الغموض أيضاً في الممارسة، حيث وُصفت بعض المحاكمات الجارية، ومنها تلك المتعلقة بالمتهمين بارتكاب انتهاكات في الساحل والمنعقدة في حلب، بأنها جزء من مسار العدالة الانتقالية، رغم أن مسودة القانون تحدد نطاقاً زمنياً واضحاً لتطبيقه. ويعكس ذلك درجة من عدم الاتساق في فهم وتطبيق هذا المسار، ويؤكد الحاجة إلى تحديد أدق للنطاق الزمني ومعاييره.
8. صلاحيات الهيئات وتداخل الأدوار المؤسسية
بحسب مشروع القانون “أُنيط تنفيذ أحكام هذا القانون بالهيئة الوطنيّة للعدالة الانتقاليّة”. وتتألف من تسع مؤسسات منها إدارة كشف الحقيقة، ولجنة فحص السجلات، وإدارة المصالحة الوطنيّة والسلم الأهليّ، وغيرها. ورغم أن هذا التعدد يعكس رغبة في تغطية مختلف مسارات العدالة الانتقالية، إلا أن المشروع لا يحدد بشكل دقيق حدود صلاحيات هذه الجهات ولا العلاقة بينها. كما لا يتضمن تصوراً واضحاً لمحدودية هذه الصلاحيات زمنياً، ما قد يحوّل العدالة الانتقالية من آلية مؤقتة واستثنائية إلى بنية مفتوحة، وهو ما يتعارض مع طبيعتها.
وفي هذا السياق، تُمنح الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية صلاحيات واسعة تشمل الوصول غير المقيد إلى السجلات، واستدعاء الأشخاص، وإلزام الجهات بتقديم المعلومات، وإنشاء مؤسسات مكملة، وإصدار التوصيات ومتابعة تنفيذها، وهو ما يشكل خطوة إيجابية من حيث المبدأ.
إلا أن فعالية هذه الصلاحيات تبقى مرهونة بمدى تعاون الجهات التنفيذية، ولا سيما المؤسسات الأمنية، في ظل غياب آليات واضحة لإنفاذ هذا الحق في حال الرفض أو العرقلة. كما أن فعالية النصوص المتعلقة بتجريم إتلاف الأدلة أو إخفائها وعرقلة العدالة أو عدم التعاون مع الهيئة تظل بدورها مرتبطة بوجود آليات إنفاذ فعلية، وبمدى استعداد المؤسسات المعنية للامتثال، وهو ما لا يعالجه المشروع بشكل كافٍ. ويمتد ذلك إلى التحديات العملية المرتبطة بالوصول إلى أماكن الاحتجاز أو المواقع الحساسة، حيث لا يحدد النص الضمانات اللازمة لتنفيذ هذه الصلاحيات بشكل فعلي. ويستدعي ذلك وضع آليات تنفيذ واضحة تضمن الوصول الفعلي إلى المعلومات والأماكن ذات الصلة، مع مراعاة التوازن بين مقتضيات الوصول وحماية الخصوصية، خاصة فيما يتعلق بالجهات غير الحكومية.
ومن جهة أخرى، تُظهر الأحكام المنظمة لعمل إدارة كشف الحقيقة والنيابة العامة للعدالة الانتقالية، إلى جانب بعض الهيئات الأخرى، تداخلاً في الصلاحيات المتعلقة بجمع المعلومات وتقييم الوقائع ومعالجة الملفات، دون وجود تحديد واضح للفصل بين هذه الأدوار.
ويمتد هذا التداخل إلى بعض الهيئات التي تمارس وظائف ذات طابع شبه قضائي، مثل إدارة المحاسبة والمساءلة أو إدارة المصالحة الوطنيّة والسلم الأهليّ (لتسوية النزاعات المجتمعيّة وتعزيز التماسك الاجتماعيّ)، والتي تصدر قرارات قد يكون لها أثر قانوني مباشر على الأفراد، دون توضيح كافٍ للإطار القانوني الذي يحكم هذه القرارات أو لآليات الرقابة عليها. ويؤدي ذلك إلى إشكاليات متعددة، منها غموض في توزيع الأدوار، واحتمال تضارب في القرارات أو الإجراءات، وصعوبة تحديد المسؤولية المؤسسية، فضلاً عن إضعاف فعالية الرقابة والمساءلة داخل المنظومة ذاتها.
كما أن الجمع بين أدوار متعددة داخل بعض الجهات، ولا سيما الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، قد يؤدي إلى تركّز واسع للصلاحيات، بما يثير تساؤلات تتعلق بالتوازن المؤسسي وضمانات الاستقلال. ويُضاف إلى ذلك ما يثيره تمتع أعضاء الهيئة بالحصانة القضائية، دون تحديد نطاقها أو ضوابطها، من إشكاليات تتعلق بحدود المساءلة وآليات الرقابة، خاصة في ظل غياب معايير واضحة لاختيار الأعضاء أو لتنظيم حالات استبدالهم. ويثير هذا الأمر تساؤلات حول الجهة المختصة بمساءلة هؤلاء الأعضاء في حال ارتكاب أخطاء أو حصول تقصير أو تقديم شكاوى بحقهم؛ إذ لا يبدو واضحاً ما إذا كانت هذه المساءلة ستتم أمام مجلس القضاء الأعلى، أو أمام الهيئة نفسها، أو من خلال آلية أخرى.
9. ضمانات المحاكمة العادلة
هناك إشكالية تتعلق بمدى استقلال القضاء وحياده، في ظل مؤشرات على استمرار تأثير السلطة التنفيذية في بعض جوانب عمله، سواء من حيث التعيينات أو الإشراف الإداري أو تنظيم العمل القضائي. خاصة وأن الإعلان الدستوري وقانون السلطة القضائية وغيرها من القوانين النافذة في سوريا لا تطبق مبدأ الفصل بين السلطات، كما تعطي رئيس الجمهورية (وهو رأس السلطة التنفيذية) صلاحيات واسعة، كأن يترأس مجلس القضاء الأعلى على سبيل المثال.
كما يلاحظ غياب معايير واضحة وملزمة تضمن شغل المواقع القضائية على أساس الكفاءة القانونية والخبرة المتخصصة، وهو ما يفتح المجال أمام تعيين أشخاص لا يستوفون المتطلبات المهنية اللازمة، ويقوض الأسس التي يقوم عليها القضاء المهني المستقل. ويؤثر ذلك على البيئة التي تُطبق فيها ضمانات المحاكمة العادلة، إذ لا يقتصر استقلال القضاء على النصوص القانونية، بل يتطلب إطاراً مؤسسياً يضمن الحياد في التعيين، والاستقرار الوظيفي، وعدم التعرض لأي تأثيرات خارجية. وفي غياب هذه الضمانات، تبرز مخاوف تتعلق بقدرة الجهاز القضائي على أداء دوره بشكل مستقل ومنضبط، وبمدى توافر الشروط اللازمة لضمان نزاهة الإجراءات وثقة الأطراف بها.
10. قضية المعتقلين والمفرج عنهم
لا يتناول مشروع القانون بشكل واضح مسألة الأشخاص الذين تعرضوا للاعتقال خلال الفترات السابقة، ولا يحدد الآليات الواجب اعتمادها لمعرفة مصيرهم أو معالجة أوضاعهم القانونية، بما في ذلك من تم الإفراج عنهم أو منحهم نوعاً من “الأمان”. ويشكل هذا الغياب ثغرة مهمة، بالنظر إلى أن الكشف عن مصير المحتجزين وضمان حقوقهم يعد من العناصر الأساسية في مسارات العدالة الانتقالية.
11. الطعن في القرارات وعدم وضوح المعايير
ينص مشروع القانون على اختصاص النيابة المكلّفة بقضايا العدالة الانتقاليّة في الطعن في قرارات لجان المصالحة المحلّيّة أمام الهيئة العامة لمحكمة النقض وذلك في حال “تضمّنت تلك القرارات انتهاكاً للمعايير القانونيّة أو لحقوق الضحايا”. إلا أنه لم يحدد ما هي هذه المعايير ولا يوضح أثر الطعن القانوني، ولا سيما ما إذا كان يوقف تنفيذ القرار المطعون فيه، فضلاً عن غياب تحديد العلاقة بين الطعن في المسارات القضائية والطعن في القرارات الصادرة عن الهيئات ذات الطابع الإداري أو شبه القضائي، ولم تتم الإشارة فيما إذا كانت القرارات الصادرة عن الجهة الناظرة في الطعن مبرمة أم لا.
ويؤدي غياب تنظيم متكامل لحق الطعن إلى جملة من الإشكاليات، منها التفاوت في حماية الحقوق بين الحالات المختلفة، وإضعاف الضمانات الإجرائية للمحاكمة العادلة.
12. حرية التعبير وتجريم إنكار جرائم “النظام البائد”
يجرّم مشروع القانون ما يصفه بـ”تمجيد أو إنكار أو تبرير جرائم النظام البائد أو جرائم رموزه”، ويضع لهذه الجريمة عقوبات جزائية. ورغم أن تجريم إنكار بعض الجرائم قد يكون مبرراً في سياقات محددة، خاصة عندما يتعلق بإنكار جرائم مثبتة قضائياً، إلا أن الصياغة المعتمدة في المشروع تثير إشكاليات قانونية تتعلق بمدى اتساقها مع ضمانات حرية التعبير.
يعرف النص الإنكار بأنه “نفي جرائم النظام البائد أو رموزه، أو التشكيك المتعمّد في وقوعها، أو نسبتها لغيره”، ويعرف التمجيد بأنه “الإشادة بجرائم النظام البائد، أو رموزه، أو إظهارها بصورة إيجابيّة، أو الترويج لها”. والتبرير هو “تسويغ جرائم النظام البائد أو رموزه، أو تقديم تفسيرات تُضفي الشرعية عليها”.
وفي ظل هذه التعاريف الواسعة، لا يبيّن مشروع القانون الركن المعنوي المطلوب لقيام الجريمة، أي ما إذا كان يشترط القصد الجرمي المتمثل في الإنكار المتعمد بهدف التضليل أو التحريض، أم أن مجرد التعبير عن رأي أو تحليل قد يدخل ضمن نطاق التجريم. كما لا يربط المشروع هذا التجريم بوجود سردية قانونية مثبتة عبر أحكام قضائية نهائية تحدد الوقائع التي لا يجوز إنكارها، وهو ما يثير إشكالية أساسية، إذ إن تجريم الإنكار يفترض وجود حقيقة قانونية مستقرة، وليس مجرد توصيف عام أو سياسي للانتهاكات.
ويؤدي هذا الغموض إلى مخاطر متعددة، منها تقييد حرية التعبير بشكل غير متناسب، وإمكانية استخدام النص بشكل انتقائي أو لأغراض غير قانونية، فضلاً عن إضعاف التعددية الفكرية والنقاش العام حول الماضي والانتهاكات. كما أن ربط التجريم بتوصيف محدد للجهة المرتكبة، كما ورد في النص، يعزز من الطابع السياسي للتجريم ويزيد من احتمال استخدامه خارج إطار الضبط القانوني الدقيق.
13. عقوبة الإعدام وأثرها على العدالة والتعاون الدولي
يتضمن مشروع القانون عقوبة الإعدام ضمن العقوبات المقررة لبعض الجرائم. ورغم أن إدراج هذه العقوبة قد يُفهم في سياق التشدد في مواجهة الانتهاكات الخطيرة، إلا أنه يثير إشكاليات قانونية وعملية تتعلق بمدى انسجامه مع متطلبات العدالة الانتقالية ومعايير التعاون الدولي.
فمن جهة، تتجه العديد من النظم القانونية والآليات الدولية إلى الحد من استخدام عقوبة الإعدام أو إلغائها، خاصة في سياقات العدالة الانتقالية التي يُنظر إليها بوصفها مساراً لإعادة بناء الثقة وترسيخ سيادة القانون، لا مجرد إطار للعقاب. ومن جهة أخرى، قد يؤدي الإبقاء على هذه العقوبة إلى تقييد فرص التعاون مع الهيئات الدولية، لا سيما تلك التي تعتمد سياسات تمنع تبادل المعلومات أو تقديم الدعم في القضايا التي قد تنتهي بفرض عقوبة الإعدام.
كما أن تطبيق هذه العقوبة في سياق نظام قضائي يواجه تحديات بنيوية، كما هو الحال في المرحلة الانتقالية، يثير مخاوف إضافية تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة وإمكانية وقوع أخطاء قضائية غير قابلة للتدارك. ويزداد هذا القلق في ضوء طبيعة هذه العقوبة غير القابلة للرجوع وما تنطوي عليه من آثار جسيمة على الحق في الحياة.
ويضاف إلى ذلك أن عقوبة الإعدام تثير إشكاليات متزايدة في ضوء المعايير الدولية لحقوق الإنسان، حيث يُنظر إليها بوصفها عقوبة قاسية ولا إنسانية، خاصة بالنظر إلى ما تنطوي عليه من معاناة جسدية ونفسية، وما يترتب عليها من حرمان نهائي من الحق في الحياة. ولا يغيّر من هذا جسامة الجرائم المرتكبة، إذ إن التعامل مع هذه الجرائم لا يقتضي بالضرورة اعتماد أقصى العقوبات، بقدر ما يستدعي نظام مساءلة فعال يضمن العدالة دون المساس بالضمانات الأساسية. كما أن الإبقاء على عقوبة الإعدام يثير مخاوف إضافية تتعلق بإمكانية توظيفها، في سياقات غير مستقرة مؤسسياً، كأداة للتصفية السياسية أو إساءة استخدامها من قبل السلطات، بما يقوّض أهداف العدالة الانتقالية ويضعف الثقة في نزاهة المسار.
14. الإطار الإصلاحي وإعادة الإعمار
ينص مشروع القانون على أهمية الإصلاح المؤسسي بوصفه أحد الركائز الأساسية للعدالة الانتقالية، ويشير إلى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، بهدف ضمان عدم التكرار. إلا أن هذا الطرح يظل عاماً، ولا يتضمن معالجة واضحة ومباشرة لإصلاح المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، رغم الدور المركزي الذي لعبته هذه المؤسسات في سياق الانتهاكات.
فلا يحدد المشروع معايير مهنية وقانونية لإعادة تنظيم المؤسسات، ولا ضمانات تحول دون إعادة إنتاج أنماط السيطرة أو التسييس، كما لا يبيّن حدود المساءلة داخل هذه المؤسسات أو آليات إخضاعها للرقابة المدنية.
ويكتسب هذا الإغفال أهمية خاصة بالنظر إلى أن العديد من الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت في إطار هياكل عسكرية وأمنية وقضائية منظمة، ما يجعل أي إصلاح لا يتناول هذه المؤسسات بشكل صريح ومفصل عرضة للقصور.
وإلى جانب ذلك، لا يتناول المشروع بشكل واضح الانتهاكات والتغيرات المؤسسية التي تلت سقوط النظام السابق، رغم ما شهدته المرحلة اللاحقة من تحولات جوهرية، بما في ذلك إعادة تشكيل بعض البنى المؤسسية واستحداث مواقع ووظائف جديدة، خاصة في القطاع القضائي، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الإطار المقترح على مواكبة الواقع المؤسسي الراهن ومعالجة الانتهاكات المستمرة أو المستجدة ضمن مسار العدالة الانتقالية.
ومن جهة أخرى، لا يتناول المشروع بشكل واضح العلاقة بين مسار العدالة الانتقالية وعمليات إعادة الإعمار، رغم الترابط الوثيق بينهما، خاصة في السياقات التي شهدت تدميراً واسعاً وتهجيراً قسرياً. إذ يفترض أن تشكّل إعادة الإعمار جزءاً من مقاربة أوسع لجبر الضرر، بما يراعي الأبعاد المكانية للانتهاكات، ويأخذ في الاعتبار علاقة الأفراد والمجتمعات بأماكنهم الأصلية، وما يرتبط بها من هوية وذاكرة. ويستدعي ذلك تبني نهج يضمن إعادة إعمار حساسة للذاكرة المكانية، بما يسهم في استعادة الروابط الاجتماعية والثقافية، ويمنع تكريس آثار الانتهاكات.
15. محدودية المشاركة المجتمعية في صياغة مشروع القانون
تتسم مشاركة منظمات المجتمع المدني والضحايا في صياغة مشروع القانون بدرجة من الغموض، إذ لا يتضح من النص أو من مسار إعداده اعتماد آليات تشاركية منهجية تضمن إشراك هذه الأطراف بصورة فعلية. ويزداد هذا الغموض أهمية في ظل انتقال عملية الصياغة إلى إطار حكومي تقوده وزارة العدل، دون بيان واضح لكيفية إدماج مساهمات المنظمات أو ضمان استمرار المشاركة المجتمعية في المراحل اللاحقة.
ويؤثر ذلك على مدى تمثيل المشروع لتجارب الضحايا واحتياجاتهم، وعلى طابعه التشاركي الذي يُعدّ من الركائز الأساسية لمسارات العدالة الانتقالية، كما يثير تساؤلات حول شفافية عملية الصياغة وآليات أخذ الملاحظات بعين الاعتبار.
16. التوصيات
استناداً إلى ما سبق، توصي المبادرة السورية للحقوق الأساسية بإدخال التعديلات التالية على مشروع قانون العدالة الانتقالية، بما يعزز اتساقه القانوني ويكفل فعاليته العملية:
ضمان الشمولية والاستقلال والحياد القانوني
● اعتماد صياغة محايدة لنطاق الانتهاكات، تقوم على طبيعتها وخطورتها دون ربطها بهوية الأطراف أو توصيفات سياسية.
تنظيم النطاق الزمني والأثر الرجعي
● توسيع نطاق القانون ليشمل جميع الضحايا والانتهاكات ذات الصلة، من تاريخ الانفصال بين سوريا ومصر عام 1961، وحتى تاريخ إقرار هذا القانون.
● توضيح العلاقة بين مبدأ عدم سريان التقادم والقواعد العامة في القانون الجزائي، بما يضمن الاتساق القانوني وقابلية التطبيق.
تنظيم الاختصاص القضائي ومنع التداخل
● تحديد العلاقة بين القضاء العادي والدوائر المتخصصة بشكل صريح، مع بيان أولوية الاختصاص في حال التعارض.
● وضع آلية واضحة لمعالجة تنازع الاختصاص بين الجهات القضائية والمسارات الموازية.
● ضبط صلاحيات النيابة العامة للعدالة الانتقالية ضمن إطارها الادعائي، ومنع تداخلها مع الوظائف الرقابية أو التقييمية.
تحديد دقيق للجرائم والتصنيفات
● وضع تعريف واضح ومتكامل للانتهاكات الجسيمة وغير الجسيمة، قائم على معايير موضوعية.
● ضمان عدم إخضاع الجرائم الخطيرة لأي مسارات بديلة قد تقوض المساءلة.
● اعتماد تعريفات دقيقة للجرائم، لاسيما الجرائم الجنسية، بما يتسق مع المعايير الدولية.
تنظيم المصالحة الوطنية
● وضع إطار قانوني ومؤسسي واضح ينظم المصالحة الوطنية، ويحدد علاقتها بالمسار القضائي، بما يضمن عدم استخدامها كبديل عن المساءلة في الجرائم الجسيمة.
● تحديد آليات واضحة للحوار المجتمعي تضمن شموليته وتمثيله لمختلف الفئات، وربطه بمسار وطني منظم.
● تنظيم آليات بناء “السردية” أو “الحقيقة” ضمن إطار يضمن تعددية الروايات، وعدم فرض سردية أحادية، وربطها بوقائع مثبتة ضمن معايير قانونية واضحة.
ضبط المرجعيات القانونية وتعزيز الطابع المدني
● صياغة أحكام القانون بلغة قانونية واضحة وحصر المرجعية القانونية للقانون في الإطار الدستوري والمعايير الدولية، وعدم إدماج مرجعيات دينية بصياغات عامة قد تؤثر على وضوح القواعد القانونية أو على مبدأ المساواة.
● تجنب استخدام معايير أخلاقية أو مصطلحات غير منضبطة قد تؤثر على وضوح القواعد القانونية.
تعزيز فعالية الهيئات ومنع تداخل الصلاحيات
● تحديد اختصاصات كل جهة ضمن منظومة العدالة الانتقالية بشكل دقيق، مع وضع آليات تنسيق واضحة.
● إخضاع القرارات الصادرة عن الهيئات ذات الطابع الإداري أو شبه القضائي لرقابة قضائية فعالة.
● تنظيم نطاق الحصانة الممنوحة لأعضاء الهيئة، ووضع معايير واضحة لاختيارهم وآليات استبدالهم.
ضمان الوصول الفعلي إلى الأدلة والمعلومات
● وضع آليات تنفيذ واضحة تكفل الوصول إلى السجلات وأماكن الاحتجاز والمقابر الجماعية.
● تعزيز النصوص المتعلقة بتجريم إتلاف الأدلة وعرقلة العدالة من خلال آليات إنفاذ فعالة.
● ضمان التوازن بين حق الوصول إلى المعلومات وحماية الخصوصية، خاصة للجهات غير الحكومية.
تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة
● تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات، والحد من تدخل السلطة التنفيذية في الشؤون القضائية.
● وضع معايير قانونية واضحة وشفافة لتعيين القضاة وأعضاء الهيئات القضائية، تستند إلى الكفاءة والخبرة والاستقلالية، وضمان وجود آليات مساءلة مستقلة تحافظ على نزاهة القضاء وتعزز ثقة المتقاضين بإجراءات العدالة والمحاكمة العادلة.
معالجة أوضاع المعتقلين والمفقودين
● إدراج أحكام واضحة تنظم الكشف عن مصير المحتجزين والمفقودين.
● تحديد الوضع القانوني للمفرج عنهم وضمان مراجعة أوضاعهم وفق إجراءات واضحة.
تنظيم حق الطعن والرقابة القضائية
● تحديد نطاق القرارات القابلة للطعن، وآليات الطعن، ومعاييره.
● ضمان خضوع جميع القرارات المؤثرة على الحقوق لرقابة قضائية فعالة.
حماية حرية التعبير
● حصر تجريم إنكار الجرائم في الحالات المرتبطة بوقائع مثبتة قضائياً، وتحديد الركن المعنوي للجريمة بدقة.
● ضمان عدم استخدام النصوص الجزائية لتقييد التعبير المشروع أو النقاش العام.
مراجعة العقوبات وضمان اتساقها مع أهداف العدالة الانتقالية
● إعادة النظر في عقوبة الإعدام بما يضمن اتساقها مع متطلبات العدالة الانتقالية وفرص التعاون الدولي.
تعزيز الإصلاح المؤسسي وإعادة الإعمار
● اعتماد إطار واضح لإصلاح المؤسسات، يضمن خضوعها للرقابة المدنية ويمنع إعادة إنتاج الانتهاكات.
● إدماج عمليات إعادة الإعمار ضمن إطار العدالة الانتقالية بوصفها جزءاً من جبر الضرر، مع اعتماد مقاربة تراعي الأبعاد المكانية للانتهاكات.
● تبني مفهوم العدالة المكانية، بما يضمن إعادة إعمار حساسة للذاكرة، وتحافظ على العلاقة بين المكان والهوية والثقافة.
تعزيز الاتساق مع منظومة العدالة الجنائية الدولية
● انضمام سوريا إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما يتيح ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية، لا سيما في الحالات التي يتعذر فيها الوصول إليهم على المستوى الوطني.
● انضمام سوريا إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب، وسحب التحفظات التي أبدتها على اتفاقية مناهضة التعذيب، بما يعزز التزاماتها الدولية في مجال منع التعذيب والإخفاء القسري وضمان المساءلة والرقابة على أماكن الاحتجاز.
● اعتماد المادة 28 من نظام روما الأساسي كأساس في تحديد “مسؤولية القادة والرؤساء الآخرين”.
● تعزيز التعاون مع الآليات الدولية ذات الصلة، بما يشمل تبادل المعلومات وتيسير الوصول إلى الأدلة دعماً لجهود المساءلة.