تتناول هذه الورقة صياغة قانون الجمعيات الجديد في سوريا، الذي يشكل فرصة حاسمة للانتقال من نهج السيطرة الحكومية الذي ميّز القانون رقم 93 لعام 1958 وتعديلاته في ظل النظام السابق. تحدد الورقة الضمانات الأساسية التي يجب أن يكفلها القانون الجديد لضمان الامتثال للالتزامات الدستورية والدولية، بما في ذلك حرية تكوين الجمعيات وحماية الكيانات غير المسجلة، والاستقلال التنظيمي والإداري، والحصول على التمويل والموارد دون موافقة مسبقة، والرقابة المحدودة والشفافة، والجزاءات المتناسبة، وحل الجمعيات بقرار قضائي فقط. كما تحدد الورقة ثلاثة عشر محذوراً تشريعياً من شأنها إعادة إنتاج الوصاية على المجتمع المدني على المجتمع المدني، بما في ذلك اشتراط الموافقات الأمنية، وإخضاع الأنشطة لموافقات فردية، ومنح السلطة التنفيذية صلاحيات تقديرية واسعة، والسماح بالحل إدارياً. وتوصي الورقة بنشر مشروع القانون كاملاً للتشاور العام، وإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا لإبداء الرأي، وإلغاء القانون رقم 93 وما يتعارض معه من أنظمة، وإنشاء نظام تسجيل مدني موحد، وضمان الرقابة القضائية الفعالة على جميع القرارات الإدارية المؤثرة على الجمعيات.
1. مقدمة
تعمل الحكومة السورية الانتقالية حالياً على إعداد مشروع قانون جديد للمنظمات غير الحكومية ليحل محل قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة رقم 93 لعام 1958 وتعديلاته. [1]وقد أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بعد سلسلة من الجلسات التشاورية، الانتهاء من صياغة مسودة أولية تمهيداً لعرضها على منظمات المجتمع المدني والوزارات المعنية قبل إحالتها إلى مجلس الشعب. [2]ومع ذلك، لم يكن النص الكامل للمسودة متاحاً للعموم وقت إعداد هذه الورقة، بما لا يتيح تقييماً مستقلاً لموادها أو التحقق من مدى استجابتها للمعايير الدولية ولمخرجات المشاورات المعلنة.
يمثل إصدار قانون جديد فرصة حاسمة للقطيعة مع المقاربة التي حكمت علاقة الدولة بالمجتمع المدني لعقود. فالقانون رقم 93 لعام 1958، الذي صدر خلال عهد الجمهورية العربية المتحدة ثم عُدّل بالمرسوم التشريعي رقم 224 لعام 1969، منح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في تسجيل الجمعيات وإشهارها والتدخل في إدارتها ودمجها وتعطيل قراراتها وحلها والحد من تمويلها وصلاتها الداخلية والخارجية. وقد تعززت هذه الصلاحيات، في عهد نظام الأسد، بموافقات أمنية وممارسات غير مكتوبة حولت الإشهار القانوني إلى ترخيص سياسي فعلي.[3]
ولم تنتهِ مخاطر هذه المقاربة بسقوط النظام السابق. فقد شهدت المرحلة الانتقالية متطلبات لإعادة تسجيل الجمعيات، وتداخلاً في صلاحيات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومكتب تنسيق العمل الإنساني والجهات القطاعية، واشتراط موافقات مسبقة على الأنشطة والمشاريع. كما أعاد كتاب وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل الصادر في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2025 التأكيد على ضرورة الحصول على موافقة إدارية مسبقة لتلقي التمويل الخارجي أو الانضمام إلى هيئات خارج سوريا، استناداً إلى مواد القانون رقم 93.[4]
وقد سبق لواحد وثلاثين منظمة مجتمع مدني سورية أن طالبت، في ورقة موقف مشتركة صدرت في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بتعليق الأحكام التقييدية في القانون رقم 93، وإنهاء نظام الموافقة المسبقة، وتنظيم العلاقة مع المنظمات عبر جهة مدنية من دون إخضاعها للرقابة الأمنية. [5]
تبني هذه الورقة على تلك المطالب، فتحدد الضمانات التي يجب أن يكفلها القانون الجديد، والخطوط الحمراء التي ينبغي ألا يتجاوزها، بهدف ضمان عمل منظمات المجتمع المدني بشكل محايد ومستقل.
2. المرجعية الدستورية والدولية
يُلزم الإعلان الدستوري السوري الدولة بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ويعدّ الحقوق والحريات المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سوريا جزءاً منه، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما يكفل حرية الرأي والتعبير، وحرمة الحياة الخاصة، وحرية تأسيس الجمعيات والنقابات، ويحظر تحصين أي قرار إداري من رقابة القضاء. وبناءً عليه، يفترض أن يحمي القانون الجديد حرية تكوين الجمعيات وما يرتبط بها من حقوق في حرية التعبير والخصوصية والملكية والوصول إلى العدالة، لتمكين الجمعيات من العمل بفعالية.[6]
وتضمن المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لكل شخص الحق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين. ولا تجيز تقييد هذا الحق إلا بقيد ينص عليه قانون واضح، ويكون ضرورياً في مجتمع ديمقراطي ومتناسباً مع إحدى الغايات المحددة حصراً في المادة. ولا يكفي الاستناد إلى عبارات عامة مثل الأمن أو المصلحة العامة؛ بل يقع على الدولة إثبات وجود حاجة اجتماعية ملحة، وأن القيد هو أقل الوسائل تدخلاً لتحقيق الغاية المشروعة.[7]
ولا تقتصر التزامات الدولة على الامتناع عن التدخل التعسفي، إذ عليها أيضاً توفير بيئة آمنة ومُمكِّنة تحمي الجمعيات وأعضاءها من التهديد والعنف والانتقام، وتتيح لهم العمل والتواصل والحصول على الموارد والمشاركة في الشأن العام.[8]
3. الضمانات التي يجب أن يتضمنها القانون الجديد
❖ حرية التأسيس وحماية الكيانات غير المسجلة
ينبغي أن ينص القانون بوضوح على أن تأسيس الجمعيات حق لا يتطلب إذناً مسبقاً، وأن تكتسب الجمعية الشخصية الاعتبارية من خلال إخطار جهة مدنية مختصة ببيانات أساسية ومحددة، مثل اسمها وعنوانها وأهدافها ونظامها الأساسي وأسماء الأشخاص المخولين بتمثيلها. وينبغي أن يقتصر الغرض من الإخطار على إثبات تأسيس الجمعية في السجل، وألا يُعامل بوصفه طلباً للحصول على موافقة. وبناء عليه، يجب ألا يرتبط اكتساب الشخصية الاعتبارية بتقدير الجهة المختصة لمدى الحاجة إلى خدمات الجمعية أو توافق أهدافها مع الخطط الحكومية، أو بالحصول على موافقة أمنية، بل باستيفاء المتطلبات القانونية المحددة للتسجيل.[9]
ومن المهم أن تكون إجراءات التسجيل متاحة في جميع المحافظات، ومبسطة وقليلة التكلفة، وأن يحصل مقدمو الإخطار فوراً على ما يثبت تقديمه. وإذا نص القانون على مراجعة الطلب، فينبغي تحديد مهلة قصيرة يُعدّ التسجيل بانقضائها واقعاً حكماً (30 يوماً على سبيل المثال). كما ينبغي حصر أسباب الرفض في حالات دقيقة ومحددة ومتوافقة مع معايير القانون الدولي، مع تسبيب القرار كتابياً وإتاحة الطعن فيه سريعاً أمام قضاء مستقل. وينبغي ألا يُفرض أي قيد على تأسيس الجمعية أو الانضمام إليها إلا بنص دقيق، ولسبب يرتبط مباشرة بالدور المعني، وبصورة متناسبة وقابلة للطعن.[10]
كما ينبغي أن يحدد القانون نطاق تطبيقه بوضوح، وأن يشمل مختلف أشكال الكيانات غير الربحية، كالجمعيات والمؤسسات والشبكات والائتلافات والفروع والمنظمات المسجلة خارج سوريا، بصرف النظر عن تسميتها أو مجال عملها.
ومن المهم التمييز بين ممارسة الحق في تكوين الجمعيات واكتساب الشخصية الاعتبارية. فحرية تكوين الجمعيات تكفل للأشخاص إنشاء مجموعات منظمة والعمل معاً لتحقيق أهداف مشروعة، سواء اختاروا تسجيلها أم لا، بينما يمنح التسجيل الكيان شخصية اعتبارية مستقلة تمكّنه من التعاقد وفتح الحسابات المصرفية وامتلاك الأموال باسمه. وبناءً عليه، ينبغي إتاحة المجال للمبادرات والشبكات والحملات والفرق التطوعية غير المسجلة لممارسة أنشطتها السلمية، وألا تترتب على أعضائها مسؤولية لمجرد عدم التسجيل.[11]
❖ حرية الأهداف والأنشطة والمناصرة
ينبغي أن يتسع تعريف العمل المدني ليشمل الأنشطة الحقوقية والإنسانية والتنموية والثقافية والبحثية والبيئية والمهنية، إلى جانب أعمال المناصرة ومراقبة أداء السلطات واقتراح السياسات والقوانين والتقاضي الاستراتيجي والتواصل مع الآليات الدولية، وألا يقتصر على العمل الخيري أو تقديم الخدمات.
كما ينبغي أن يوضح القانون أن المشاركة في الشأن العام لا تُعد، في حد ذاتها، “نشاطاً سياسياً” لأغراض أي حظر أو قيد يُفرض على الجمعيات. ويشمل ذلك مراقبة السياسات الحكومية أو نقدها، واقتراح الإصلاحات التشريعية، والمناصرة الحقوقية، والمشاركة في مسارات صنع السياسات، والتقاضي الاستراتيجي، والدعوة إلى إجراء الانتخابات، ومراقبتها، والمشاركة في النقاش العام، وبناء قدرات المرشحين أو أعضاء مجلس الشعب، والعمل في مجالات العدالة الانتقالية والمساءلة وحقوق النساء والأقليات، والدعوة السلمية إلى إصلاح دستوري أو قانوني. ويمكن تنظيم التمويل المباشر للأحزاب السياسية والحملات الانتخابية بأحكام واضحة، مع الحفاظ على التمييز بين النشاط الحزبي والمشاركة في الشأن العام أو الدفاع عن الحقوق. أما العبارات العامة القابلة لتفسيرات متباينة، مثل «عدم الحاجة إلى الجمعية» أو «المساس بهيبة الدولة» أو «مخالفة الآداب العامة»، فينبغي حذفها أو تعريفها بدقة وبما يتوافق مع المعايير الدولية.[12]
❖ الاستقلال التنظيمي والإداري
ينبغي أن يكفل القانون للجمعيات حرية وضع أنظمتها الداخلية، واختيار أعضائها وقياداتها وموظفيها، وتحديد هياكلها ومواعيد اجتماعاتها، وإنشاء فروعها ومكاتبها وشبكاتها داخل سوريا وخارجها. كما ينبغي تجنب منح الوزارة أو أي جهة عامة صلاحيات تتيح لها تعيين ممثلين في مجالس إدارة الجمعيات، أو حضور اجتماعاتها الداخلية من دون دعوة، أو تعديل أهدافها، أو دمجها من دون موافقتها، أو فرض نموذج موحد لنظامها الداخلي، أو إلزامها بالانضمام إلى اتحاد أو مظلة محددة.
وينبغي، كقاعدة عامة، ألا تخضع مشاريع الجمعيات وأنشطتها واجتماعاتها لموافقة مسبقة. ولا يحول ذلك دون تطبيق المتطلبات الفنية العامة المرتبطة بطبيعة بعض الخدمات، كالخدمات الصحية أو التعليمية، على جميع مقدميها بالتساوي، شريطة أن تظل هذه المتطلبات محصورة في الجوانب الفنية وألا تمتد إلى تقييم مضمون النشاط، مع تنسيق الإجراءات بما يجنب الجمعية تقديم المعلومات ذاتها إلى جهات متعددة.
❖ الوصول إلى التمويل والموارد
على القانون الجديد أن يعترف بحق الجمعيات، المسجلة وغير المسجلة، في طلب التمويل والموارد وتلقيها واستخدامها من مصادر محلية ودولية، بما فيها الأفراد السوريون في الداخل والمهجر، والمنظمات الدولية والأمم المتحدة والحكومات الأجنبية والجهات المانحة، من دون موافقة مسبقة. ويشمل ذلك التبرعات والمنح والاشتراكات وجمع الأموال والعائدات الناتجة عن أنشطة اقتصادية مشروعة يخصص ريعها للأهداف غير الربحية.[13].
يفترض أن يعتمد القانون الإفصاح المالي ومسك الحسابات والتقارير المالية السنوية بوصفها بدائل عن الموافقة المسبقة على التمويل. ويجوز اشتراط تدقيق الحسابات من جهة مستقلة عند تجاوز موارد الجمعية حداً مالياً معقولاً يحدده القانون، مع تطبيق قواعد مكافحة الفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب. ويجب أن تتناسب هذه الالتزامات مع حجم المنظمة ومواردها، ومع مخاطر غسل الأموال أو تمويل الإرهاب التي يثبتها تقييم موضوعي وموثق. واتساقاً مع المعايير المعدلة لمجموعة العمل المالي، يجب أن تكون تدابير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب مركزة ومتناسبة وموجهة وقائمة على تقييم المخاطر، بدلاً من تطبيقها بصورة موحدة على القطاع بأكمله. [14] ولا ينبغي اعتبار تلقي التمويل الأجنبي، في حد ذاته، أساساً كافياً لفرض تدقيق مشدد أو تدابير سلبية أخرى. كما ينبغي ألا تؤدي هذه التدابير إلى اشتراط تمرير التمويل عبر جهة حكومية، أو تأخير المشاريع إلى حين صدور موافقة، أو تعطيل الأنشطة المشروعة، بما فيها التحويلات عبر الحدود والعمليات الإنسانية والشراكات وجمع التبرعات.
كما ينبغي أن يضمن القانون وصول الجمعيات إلى الخدمات المصرفية والمالية دون تمييز. وينبغي ألا ترفض المؤسسات المالية أو الجهات المختصة فتح الحسابات أو الإبقاء عليها، أو تغلقها تعسفياً، أو تفرض إجراءات مفرطة للعناية الواجبة المعززة أو متطلبات غير متناسبة للإبلاغ، أو تجمد الأموال، أو تقيد التحويلات الدولية المشروعة، لمجرد أن الكيان منظمة مجتمع مدني أو يتلقى تمويلاً أجنبياً. ويجب أن يستند أي تدبير مشدد إلى تقييم موضوعي وموثق للمخاطر، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً معها.
❖ صفة النفع العام والدعم الحكومي
ينبغي الفصل بين تسجيل الجمعية وحقها في العمل من جهة، ومنحها صفة النفع العام من جهة أخرى. ويُقصد بهذه الصفة وضع قانوني خاص يجوز منحه للجمعيات التي تسهم أنشطتها في تحقيق منفعة عامة، كالجمعيات العاملة في مجالات الصحة أو التعليم أو الإغاثة أو حماية البيئة وحقوق الإنسان، ويرتبط بمزايا محددة، مثل الإعفاءات الضريبية أو أهلية التقدم لبعض أشكال التمويل العام. وينبغي أن يكون طلب هذه الصفة اختيارياً، وأن تُمنح وفق معايير موضوعية وشفافة ومعلنة، مع إتاحة الطعن في القرارات المتعلقة بها. كما ينبغي تصميم هذا النظام وتطبيقه بما يضمن ألا تصبح صفة النفع العام معياراً لشرعية الجمعيات، أو أساساً لمنح معاملة تفضيلية على اعتبارات غير موضوعية. [15]
❖ رقابة محدودة وشفافة وحماية الخصوصية
ينبغي أن يتمثل الدور الأساسي للجهة المختصة في إدارة سجل الجمعيات وتلقي التقارير المنصوص عليها في القانون، مع تحديد صلاحياتها بوضوح وعلى سبيل الحصر. ومن المهم، الفصل مؤسسياً بين الجهة المسؤولة عن التسجيل والجهة المكلفة بالرقابة، بما يحقق التوازن ويحول دون تركيز صلاحيات واسعة في جهة واحدة. وينبغي أن تكون الرقابة، في الأصل، لاحقة لبدء النشاط وألا تتخذ صورة موافقات مسبقة، وأن تستند إجراءات التفتيش إلى مؤشرات جدية ومحددة على وقوع مخالفة. كما ينبغي إشعار الجمعية بأسباب التفتيش وتحديد نطاقه ومدته، مع ضمان حقها في الطعن في القرار أمام القضاء.
ومن المهم أن يكفل القانون الجديد حماية البيانات الشخصية التي تحتفظ بها الجمعيات بشأن أعضائها والعاملين فيها ومانحيها والمستفيدين من أنشطتها، وألا يسمح بجمع هذه البيانات أو طلبها أو استخدامها أو نشرها إلا لغرض مشروع ومحدد، وفي حدود الضرورة والتناسب. وينبغي ألا تُلزم الجمعيات بالكشف العام عن قوائم أعضائها أو مانحيها أو المستفيدين منها، وأن تقتصر المعلومات المقدمة إلى الجهات المختصة على ما يلزم للتحقق من الامتثال لالتزامات محددة ينص عليها القانون. وتستدعي بعض أنواع البيانات حماية مشددة، ولا سيما بيانات الضحايا والناجين والشهود والمفقودين والمعتقلين، وملفات التوثيق والمعلومات الصحية والاجتماعية وغيرها من البيانات الحساسة. ولا ينبغي إتاحة وصول السلطات إلى هذه البيانات إلا بأمر قضائي مسبب ومحدد، وعند تحقق الضرورة والتناسب، مع توفير الضمانات اللازمة لحماية أصحاب البيانات والمصادر وسرية العلاقة مع المحامين. [16]
❖ جزاءات متناسبة وقصر حل الجمعيات على القضاء
ينبغي أن يميز القانون الجديد بين الأخطاء الإدارية البسيطة والمخالفات الجسيمة، وأن يتيح للجمعية فرصة لتصحيح المخالفة خلال مهلة معقولة قبل فرض أي جزاء. ولا ينبغي أن يؤدي التأخر في تقديم تقرير، أو وقوع خطأ محاسبي، أو مخالفة بسيطة للنظام الداخلي، أو انخفاض عدد الأعضاء، بمفرده ومن دون إتاحة فرصة للتصحيح، إلى إغلاق الجمعية أو تجميد حساباتها أو تحريك ملاحقة جنائية بحقها. كما ينبغي أن تقتصر المسؤولية على من تُنسب إليه المخالفة، وألا تُعاقب الجمعية على تصرف فردي ارتُكب خارج نطاق صلاحيات صاحبه ولا يمكن نسبته إليها، متى أمكن مساءلة الشخص المعني بصورة مستقلة.
وينبغي قصر تعليق الجمعية أو حلها على قرار صادر عن محكمة مستقلة، وفي حالات استثنائية تتعلق بمخالفة جسيمة تنطوي على خطر واضح ومحدق، وبعد التحقق من عدم كفاية التدابير الأقل تدخلاً. ولا يجوز تجميد أموال الجمعية إلا بأمر قضائي مسبب، وعند الضرورة القصوى وبالقدر المتناسب، وبعد إثبات صلة بين الأموال أو استخدامها والمخالفة الجسيمة. كما يجب ضمان حق الجمعية في الاطلاع على ملفها وتقديم دفاعها والطعن في القرار، على أن يوقف الطعن تنفيذ الإغلاق أو الحل أو تجميد الأموال إلى حين صدور حكم نهائي، ما لم تقرر المحكمة خلاف ذلك لضرورة استثنائية وبقرار مسبب.[17]
❖ المساواة والحماية
ينبغي أن يكفل القانون لجميع الأشخاص حق تأسيس الجمعيات والانضمام إليها على قدم المساواة، من دون تمييز بسبب الجنس أو النوع الاجتماعي أو الإعاقة أو القومية أو العرق أو الدين أو المذهب أو الرأي السياسي أو المنطقة أو الجنسية. كما ينبغي تطبيق القواعد القانونية على مختلف الجمعيات بصورة متساوية، بما في ذلك المنظمات الحقوقية والنسوية ومنظمات الضحايا والأقليات والمنظمات التي تتلقى تمويلاً دولياً.
وينبغي أن تتخذ الدولة التدابير اللازمة لتوفير بيئة آمنة للجمعيات والعاملين فيها، وحمايتهم من التهديد أو التحريض أو العنف أو الأعمال الانتقامية، سواء صدرت عن موظفين عموميين أم جهات غير حكومية، وضمان التحقيق الفعال في الانتهاكات المرتبطة بممارستهم أنشطة مشروعة. ويشمل ذلك ضمان حقهم في التواصل مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وتزويدها بالمعلومات، من دون اشتراط إذن مسبق أو التعرض لأي تدابير عقابية أو انتقامية.[18]
❖ أحكام انتقالية تحمي استمرارية عمل الجمعيات
من المهم أن تراعي الأحكام الانتقالية في القانون استمرارية عمل المنظمات القائمة وشخصيتها الاعتبارية، بحيث لا تضطر إلى إعادة التسجيل أو تعليق أنشطتها خلال مرحلة توفيق أوضاعها. وينبغي أن تشمل هذه الاستمرارية العقود والمنح والحسابات المصرفية والأصول وعقود الإيجار وعلاقات العمل والتراخيص السارية والشراكات وسائر الحقوق والالتزامات القانونية القائمة، من دون مطالبة المنظمات بإعادة إنشائها لمجرد صدور القانون الجديد. كما ينبغي منحها مهلة معقولة لتحديث ما يلزم من بيانات ضرورية. ويمكن في هذا الإطار اعتماد آلية إخطار مبسطة للاعتراف القانوني بالمنظمات التي تأسست خلال سنوات النزاع في مناطق خضعت لسلطات مختلفة، والمنظمات المسجلة خارج سوريا التي ترغب في نقل مقرها أو إنشاء فرع داخل البلاد، وكذلك المنظمات التي حالت القيود الأمنية سابقاً دون تسجيلها. كما ينبغي ألا تترتب أي مسؤولية أو عقوبة بأثر رجعي على أنشطة مدنية سلمية نُفذت قبل نفاذ القانون.[19]
4. محاذير تشريعية يجب تجنبها لضمان حرية الجمعيات واستقلالها
بناءً على ما سبق، ترى المبادرة السورية للحقوق الأساسية أن أي نص يتضمن واحداً أو أكثر من التدابير الآتية سيعيد إنتاج الوصاية على المجتمع المدني، حتى لو استخدم لغة حديثة عن الشراكة أو الحوكمة:
1. اشتراط الترخيص أو الموافقة الأمنية لتأسيس الجمعية أو اختيار مؤسسيها وإدارتها، أو منح الأجهزة الأمنية دوراً في التسجيل أو الرقابة على الأنشطة أو طلب البيانات خارج الإجراءات القضائية المقررة.
2. اشتراط إثبات الحاجة إلى الجمعية أو حصر عملها في قطاعات أو محافظات تحددها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أو أي جهة تنفيذية أخرى.
3. إخضاع تسجيل الجمعية أو بدء مشاريعها وأنشطتها لموافقات أو مقابلات أمام جهات حكومية متعددة، بما فيها المحافظات والوزارات والأجهزة الأمنية، أو اشتراط إجراء إضافي بعد استيفاء المتطلبات القانونية أمام الجهة المختصة، بدلاً من اعتماد نافذة إدارية موحدة.
4. إلزام المنظمات القائمة بإعادة التسجيل أو تجديد ترخيصها دورياً.
5. اشتراط الموافقة على كل نشاط أو مشروع أو اجتماع أو شراكة.
6. اشتراط الموافقة المسبقة على التمويل المحلي أو الدولي أو الانضمام إلى الشبكات والهيئات الدولية.
7. حظر فضفاض على العمل الحقوقي أو المناصرة أو "النشاط السياسي".
8. منح وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أو أي جهة تنفيذية أخرى، صلاحية حضور الاجتماعات الداخلية للجمعيات، أو تعيين أعضاء مجالس إدارتها، أو دمجها، أو تعديل أهدافها.
9. فرض كشف عام لقوائم الأعضاء أو المانحين أو المستفيدين أو ملفات الضحايا والشهود.
1. فرض متطلبات موحدة ومرهقة للتقارير والتدقيق على جميع الجمعيات، من دون مراعاة حجم كل جمعية ومواردها وطبيعة معاملاتها المالية، أو إخضاع بعضها لمتطلبات أشد من غيرها من دون معايير موضوعية ومعلنة.
2. السماح بتعليق الجمعية أو حلها أو تجميد أموالها بقرار إداري أو بسبب مخالفة بسيطة.
3. منح الجهة التنفيذية عبارات تقديرية فضفاضة أو تحصين قراراتها من رقابة القضاء.
4. السماح للقرارات التنفيذية أو التعاميم غير المنشورة بإضافة قيود أو موافقات لا ينص عليها القانون.
5. التوصيات
استناداً إلى الضمانات والخطوط الحمراء المبينة أعلاه، تتوجه المبادرة السورية لحقوق الإنسان بهذه التوصيات إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بوصفها الجهة المختصة بإعداد مشروع القانون، وإلى مجلس الوزراء والجهات الحكومية ذات الصلة، وإلى مجلس الشعب بصفته السلطة التشريعية المختصة بمناقشة القانون وإقراره. وتهدف هذه التوصيات إلى ضمان اعتماد قانون يحمي حرية تكوين الجمعيات واستقلالها، ويتوافق مع الالتزامات الدستورية والدولية لسوريا، ويقطع مع نهج الوصاية والتحكم الذي حكم التشريعات والممارسات السابقة، ، ويعتبر الجمعيات والمبادرات ومنظمات المجتمع المدني شريكة في المجال العام لا أداة رديفة لتقييد الحريات. تتلخص التوصيات بما يلي:
1. نشر نص مسودة قانون الجمعيات كاملاً، مع مذكرتها الإيضاحية واللوائح المزمع إصدارها، وإتاحة مدة لا تقل عن ثلاثين يوماً لإجراء مشاورات عامة وتلقي الملاحظات المكتوبة قبل إحالة المشروع إلى مجلس الشعب. وينبغي أن تشمل المشاورات المنظمات الحقوقية والنسوية، ومنظمات الضحايا والأشخاص ذوي الإعاقة والأقليات، والمبادرات المحلية، والمنظمات العاملة في مختلف المناطق، وأن يعقبها نشر بيان يوضح المقترحات المقبولة والمرفوضة وأسباب ذلك.
2. إحالة مشروع القانون، قبل إقراره، إلى المحكمة الدستورية العليا عبر الجهة المخولة قانوناً، لإبداء رأيها، ونشر هذا الرأي. إلى جانب إجراء مراجعة حقوقية معلنة لمدى توافق المشروع مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومعايير الأمم المتحدة بشأن حرية تكوين الجمعيات. كما ينبغي ألا تتضمن التعليمات التنفيذية شروطاً أو موافقات لم ينص عليها القانون.
3. النص صراحة في القانون الجديد على إلغاء القانون رقم 93 لعام 1958 وتعديلاته، وعلى مراجعة وإلغاء أو تعديل جميع اللوائح والقرارات والتعاميم المخالفة لأحكامه، بما يضمن إنهاء الممارسات الإدارية القائمة على اشتراط الموافقة المسبقة على الأنشطة أو التمويل أو التواصل الخارجي. وإلى حين صدور القانون، ينبغي وقف العمل بالقرارات والتعاميم التي تفرض هذه الموافقات.
4. إنشاء نظام تسجيل مدني موحد ومتاح في جميع المحافظات، ذي اختصاصات إدارية محددة، مع قصر البيانات المنشورة على المعلومات الأساسية غير الحساسة، وإنهاء تداخل الصلاحيات بين الجهات الحكومية في التسجيل والرقابة والمتطلبات القطاعية. ونشر بيانات دورية عن عدد الإخطارات والطلبات والقرارات والطعون والعقوبات، بما يسمح بتقييم تطبيق القانون من دون كشف بيانات شخصية أو حساسة.
5. ضمان رقابة قضائية فعالة وسريعة على جميع القرارات التي تمس تأسيس الجمعية أو أنشطتها أو تمويلها أو أموالها، وعدم تحصين أي قرار إداري من الطعن.
[1] وكالة الأنباء العربية السورية (سانا)، ورشة عمل لمناقشة وتطوير قانون المنظمات غير الحكومية في سوريا، 9 نيسان/أبريل 2026.
[2] سوريا 360، مسودة قانون المنظمات غير الحكومية جاهزة، 14 تموز/يوليو 2026.
[3] هيومن رايتس ووتش، لا مجال للتنفس: قمع الدولة للنشاط الحقوقي في سوريا، الفصل الرابع، تشرين الأول/أكتوبر 2007.
[4] مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، سوريا: الانتقال على المحك - تقرير حول نضال المجتمع المدني من أجل مساحة وصوت، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ولا سيما القسم المتعلق بالتسجيل والموافقات على الأنشطة.
[5] المبادرة السورية للحقوق الأساسية، ورقة موقف مشتركة بشأن توجيه وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
[6] الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، 13 آذار/مارس 2025، المواد 12 و13 و14 و17.
[7] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 22.
[8] مجلس حقوق الإنسان، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، الوثيقة A/HRC/20/27، بتاريخ 21 أيار/مايو 2012، ولا سيما الفقرات 54-62 و63-65 و75-76.
[9] مجلس حقوق الإنسان، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، الوثيقة A/HRC/20/27، بتاريخ 21 أيار/مايو 2012، الفقرتان 56 و58.
[10] مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، المبادئ التوجيهية المشتركة بشأن حرية تكوين الجمعيات، المعتمدة من قبل لجنة البندقية في 12-13 كانون الأول/ديسمبر 2014.
[11] المرجع السابق.
[12] المرجع السابق.
[13] مجلس حقوق الإنسان، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، الوثيقة A/HRC/23/39، بتاريخ 24 نيسان/أبريل 2013.
[14] مجموعة العمل المالي (FATF)، Best Practices on Combating the Abuse of Non-Profit Organisations، تشرين الثاني/نوفمبر 2023.
[15] مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، المبادئ التوجيهية المشتركة بشأن حرية تكوين الجمعيات، المعتمدة من قبل لجنة البندقية في 12-13 كانون الأول/ديسمبر 2014.
[16] المرجع السابق.
[17] المرجع السابق؛ وانظر أيضاً مجلس حقوق الإنسان، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، الوثيقة A/HRC/20/27، بتاريخ 21 أيار/مايو 2012، الفقرتان 75 و76، بشأن وجوب اقتصار التعليق والحل غير الطوعي على الحالات الاستثنائية وصدورهما عن محكمة مستقلة ومحايدة.
[18] إعلان حق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً، ولا سيما المواد 5 و6 و9 و12 و13.
[19] مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، المبادئ التوجيهية المشتركة بشأن حرية تكوين الجمعيات، المعتمدة من قبل لجنة البندقية في 12-13 كانون الأول/ديسمبر 2014؛ وانظر أيضاً مجلس حقوق الإنسان، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، الوثيقة A/HRC/20/27، بتاريخ 21 أيار/مايو 2012، الفقرة 62، بشأن عدم مطالبة الجمعيات المسجلة سابقاً بإعادة التسجيل عند اعتماد قانون جديد.